قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (3) آفاق السلام العالمي

By / مايو 1, 2026

قدمت وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي صدرت في الرابع من ديسمبر 2025 تأكيدًا إضافيًا على دعوات الرئيس “دونالد ترامب” المتعلقة بأنه يستحق أن يُوصف بـ “رئيس السلام” لأنه “قام بتسوية” ثمانية صراعات في غضون أشهر قليلة من عودته للبيت الأبيض في ولايته الجديدة. إلا أن حقيقة الأوضاع على الأرض تنفي ذلك؛ إذ أن الصراعات الثمانية التي تم الاستشهاد بها باعتبارها ترسخ جهود “ترامب” في صنع السلام، تحمل روايات متباينة.

ففي اثنين منهم (صربيا وكوسوفو) و(مصر وإثيوبيا)، لم يكن هناك صراع قائم يستدعي إنهائه. أما عن النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، فكان قد انتهي بالفعل قبل تولي “ترامب” منصبه. أما بالنسبة لثلاثة انتصارات، وهي التوسط في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، وكمبوديا وتايلاند، وإيران وإسرائيل، فيبدو أن تدخل “ترامب” قد أحدث فرقًا، لكنه لم ينهِ الأسباب الجذرية للنزاعات بطريقة تدلل على احتمالية تفجر الوضع مجددًا. أما في حالتي – نزاع الكونغو الديمقراطية ورواندا، والحرب الإسرائيلية ضد غزة – لم يحسم الوضع نهائيًا ولم تتوقف الأعمال القتالية فعليًا.

وعلى الرغم من ادعاء “ترامب” قدرته على إنهاء الحرب في أوكرانيا في غضون أربع وعشرين ساعة من توليه منصبه، فلم يتحقق السلام في أوكرانيا بعد، بل وليس هناك مسارًا واضحًا لتحقيقه. كما لم تقم إدارة “ترامب” – حتى الآن – بأي خطوة مهمة للتعامل مع الوضع في السودان الذي يشهد أوضاع إنسانية قاسية ومجازر تتطلب موقفًا حاسمًا واستجابة عاجلة. علاوة على ذلك، يُمثل حديث “ترامب” عن ضم جزيرة جرينلاند، ربما بالقوة العسكرية إذا احتاج الأمر، تقويضًا واضحًا لقيمة السلام على الساحة الدولية.

وفي هذا السياق، جاءت وثيقة استراتيجية الأمن القومي لتعكس رؤية إدارة “ترامب” للسلام والصراع والاستقرار، وأيضًا لتكشف عن مسارات التحرك المتوقعة من قبل الإدارة خلال السنوات الثلاثة القادمة. وهو الأمر الذي سيحمل بلا شك انعكاسات واضحة على آفاق السلام العالمية، ويمكن بلورتها على النحو التالي:

  • من إنهاء الصراعات إلى إدارتها:

لم تكشف الوثيقة – بشكل واضح – أنها تستهدف إنهاء الصراعات وبناء السلام، بقدر ما تحمل صيغة تدلل على إمكانية إدارة الصراعات بما يخدم المصالح الأمريكية. ما يعني محاولة منع تحول الصراعات إلى تهديد استراتيجي مباشر للأمن الأمريكي والمصالح الأمريكية. أي أن السلام وفق هذا المنظور لا يقوم على تسوية الصراعات، بقدر ما يستند إلى ترتيبات مؤقتة تمنع اتجاه الصراعات نحو الانفجار. وهو ما يترتب عليه إعادة تعريف السلام كأداة استقرار تخدم القوة، لا كعدالة تنهي الصراعات.

  • الإضرار بدور الدبلوماسية وأدائها:

حملت الاستراتيجية إشادة واضحة بالدبلوماسية غير التقليدية التي اعتمد عليها الرئيس “ترامب” في ولايته الجديدة. وهي الدبلوماسية التي انعكست على أرض الواقع في مجموعة متنوعة من الأنماط كدبلوماسية “السوشيال ميديا”، ودبلوماسية الصفقات، ودبلوماسية الكمين، ودبلوماسية الصدمة. وبالتالي، فإن تشجيع هذه الأنماط سوف يسهم في حدوث حالة من الاضطراب في أداء الدبلوماسية التقليدية بطريقة تُوحي بانهيار بعض الأسس والقواعد التي تقوم عليها، بل ويجعل عملية صُنع القرار في السياسة الخارجية عُرضة للأهواء والتقلبات الشخصية. 

  • عسكرة السلام كبديل عن بنائه:

ركزت الاستراتيجية على الدمج بين الردع العسكري وبناء التحالفات الأمنية وتدعيم القوة العسكرية للحلفاء كمسار لضمان الأمن ودعم الاستقرار. ولكن على أرض الواقع يمكن أن تساهم هذه التحركات في زيادة الاحتقان والاتجاه نحو مزيد من العسكرة وتآكل مسارات السلام. علاوة على ذلك، يمثل مبدأ “السلام من خلال القوة” الذي نصت عليه الاستراتيجية نقضًا عميقًا لمفهوم السلام وفلسفة بنائه، كونه يستند إلى مزيج من الإكراه والردع.

  • غياب مفهوم موحد للسلام العالمي:

على الرغم من أن دور استراتيجية الأمن القومي هو التعامل مع المصالح الأمريكية، وليس تأطير سياسات العالم، فإن مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة كانت تستدعي مزيد من الاهتمام بالسلام ووضع تعريف واضح لما ينبغي أن يكون عليه. ومن ثم، جاء التعامل مع السلام – وفق الاستراتيجية – كصيغة مجزأة تخدم الأهداف والمصالح الأمريكية، بل وربما يتم توظيفها في إطار احتواء الخصوم.

  • تهميش السلام التنموي:

على الرغم من بعض الإشارات التي حوتها الاستراتيجية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة والحكم الرشيد، إلا أن تركيزها على الاستثمار الحقيقي في السلام الإيجابي (التنمية، والعدالة، وإعادة الإعمار.. وغيرها) يبقى محدودًا مقارنة بتوسع القواعد العسكرية وسباقات التسلح الإقليمية والتحالفات الأمنية الصلبة التي ستؤدي – وفق الاستراتيجية – إلى ضمان الأمن وحفظ الاستقرار.

  • تجاهل دور المؤسسية الدولية:

يبدو أن الاستراتيجية عمدت إلى تجاهل دور المؤسسية الدولية والقانون الدولي في دعم وتعزيز السلم والأمن الدوليين. ما يعكس رسائل مهمة مفادها تقويض فكرة السلام النابع من النظام الدولي القائم على القواعد، وتحويل النظام الدولي إلى نظام تقوده القوة بشكل أساسي. فقد نصت الاستراتيجية على أن “الدول الأكبر والأغنى والأقوى هي حقيقة ثابتة في العلاقات الدولية”. وهو المشهد الذي يمكن أن يساهم في جعل السلام خاضع – بدرجة كبيرة – إلى موازين القوة وليس الشرعية الدولية، وذلك في ضوء الاعتماد على العمل خارج الأطر الأممية والتركيز على المسارات الثنائية.

  • إضعاف دور واشنطن كوسيط محايد:

تحمل استراتيجية الأمن القومي في مضمونها اعترافًا من قبل واشنطن بتراجعها عن دور الوسيط المحايد، وذلك بالاستناد إلى التحول من الاعتماد على القيم إلى الاعتماد على المصلحة، ناهيك عن الأسس المتناقضة لمبدأ “السلام من خلال القوة”.

مجمل القول، إن وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 لا تبلور فقط رؤية الرئيس “دونالد ترامب” وأهداف إدارته، ولا تعكس فحسب مجموعة التحولات البارزة التي ساهم فيها وصول الرئيس الجمهوري للحكم مجددًا في ولاية ثانية غير متتالية، وإنما تحمل أيضًا انعكاسات وتداعيات واضحة على آفاق السلام العالمي. فالوثيقة تدلل على أننا نتحرك نحو عالم تُدار فيه الصراعات كبديل عن حلّها ويُعاد فيه تعريف السلام بما يخدم القوة لا العدالة، أي أن السلام هو امتداد للصراع بوسائل دبلوماسية. ومن ثم، فالخطر الحقيقي ليس في فشل مسارات السلام، بل في تحوّل هذا النمط إلى سياسة مبررة تُدار باسم الاستقرار. وما يبدو أخطر من ذلك، هو تحول السلام لأداة منافسة بين القوى الكبرى، حيث ستُعرقل بعض مسارات السلام عمدًا فيما ستُدعم مسارات أخرى مرتبطة بمصالح بعينها، كما يمكن أن يعاد تصميم بعض مسارات السلام طبقًا للرضا أو عدم الرضا عن الفاعلين المشاركين.

في نواة نرى أن مرحلة ما بعد الصراعات ليست نهاية أزمة، بل بداية مسار تنموي جديد. نعمل على إعادة الإعمار وبناء السلام من خلال فهمٍ دقيق للسياقات الهشّة

معلومات التواصل
العنوان:

القاهرة، مصر

البريد الإلكتروني:

info@nfcsp.com

© نواة 2026 – جميع الحقوق محفوظة.

Scroll to Top