قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (1) أهم الرسائل

By / مايو 3, 2026

عبرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أصدرها البيت الأبيض في الرابع من ديسمبر 2025 عن انتقال واضح من “الهيمنة الليبرالية” إلى نموذج أمريكي جديد يمزج بين الواقعية والقومية. لذا، لا تحمل الوثيقة الحالية اختلافًا واضحًا عن وثائق الإدارات الأمريكية السابقة فحسب، بل تختلف أيضًا عن الوثيقة التي أطلقها الرئيس “دونالد ترامب” خلال ولايته الأولى والتي سعت إلى تقديم صورة أكثر شمولًا للتحديات التي تواجه واشنطن ومسارات التعامل معها.

 واتصالًا بذلك، يتضح أن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الجديدة ذات صبغة “ترامبية بامتياز”، وتهدف إلى بلورة وتأطير نهج الرئيس “ترامب” وأفكاره، ناهيك عما تعكسه من تقدير كبير ومبالغ لدور الرئيس وما قام به منذ وصوله للمكتب البيضاوي في ولايته الثانية، إذ اعتبرت أنه استطاع تحقيق إنجازات هائلة في مدة قصيرة. ومن ثم، يتضح أن الوثيقة الجديدة تجسد عقلية رجل الأعمال ومنطق الصفقات ونهج “أمريكا أولًا”، ما يعني أنها لا تقوم بتأطير “ما يجب أن يكون”، وإنما “ما يمكن فعله” لتحقيق المصالح الأمريكية الواضحة والمباشرة. وفي ضوء ذلك، فقد حملت هذه الوثيقة عدد من الرسائل الواضحة، يمكن بلورتها على النحو التالي:


1- التأكيد على نهج “أمريكا أولًا”:

أكدت استراتيجية وثيقة الأمن القومي الأمريكي بوضوح على ضرورة الحفاظ على السيادة الوطنية، كما اعتبرت أن حماية الحدود ومواجهة الهجرة أساسيان للأمن القومي. ما يعني أن التركيز لم يعد على حماية العالم أو إصلاحه، بل حماية المصالح الأمريكية، وتعزيز قوة الولايات المتحدة بأبعادها المختلفة (العسكرية، والأمنية، والاقتصادية، والتكنولوجية، والثقافية). وهي المسألة وثيقة الصلة برفض استنزاف الموارد الأمريكية في مناطق أو صراعات لا تخدم المصلحة الأمريكية بشكل واضح أو لا تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن الولايات المتحدة.


2- القوة العسكرية كعصب الردع:

على الرغم من تأكيد الوثيقة رفض استنزاف القوة الأمريكية على الساحة الدولية، فإنها شددت على أهمية ومحورية امتلاك الولايات المتحدة لأقوى جيش مجهز تكنولوجيًا في العالم، وذلك بالاستناد إلى إحياء القاعدة الصناعية الدفاعية في سبيل إنتاج أحدث الأنظمة والذخائر وأكثرها كفاءة. علاوة على ذلك، أكدت الوثيقة أيضًا على ضرورة استمرار تفوق واشنطن في التكنولوجيا العسكرية والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، مع التركيز بشكل خاص على المجالات التي تتمتع فيها الولايات المتحدة بمزايا نسبية، مثل الغواصات والفضاء والطاقة النووية. إذ سيساعد تطوير القوة العسكرية في تحقيق رؤية الرئيس “ترامب” لـ “السلام من خلال القوة”، وبالتالي ردع الخصوم كلما اقتضت الحاجة.


3- الاقتصاد في صلب الأمن القومي:

تربط الوثيقة الجديدة – بشكل مباشر – بين القوة الاقتصادية والأمن القومي؛ حيث تنظر إلى الاقتصاد الأمريكي كـ “ركيزة” لقوة الساحة الداخلية والنفوذ العالمي. كما تؤكد الوثيقة أن تعزيز القوة الصناعية الأمريكية هو أولوية قصوى، بالإضافة إلى التجارة المتوازنة وتأمين الوصول إلى سلاسل الإمداد والمواد الحيوية، وكذا الحفاظ على هيمنة القطاع المالي الأمريكي على الساحة الدولية. علاوة على ذلك، فقد أشارت الوثيقة إلى أهمية الهيمنة على الطاقة بطريقة لا تغذي فقط النمو الاقتصادي الأمريكي، وإنما تجعل قطاع الطاقة أحد القطاعات التصديرية الرائدة.


4- القيادة والهيمنة التكنولوجية:

تعكس وثيقة استراتيجية الأمن القومي إدراكًا واضحًا لأهمية ومحورية التكنولوجيا، وضرورة وضع التنافس والسباق التكنولوجي على الساحة الدولية على رأس أولويات الإدارة الأمريكية. فقد أكدت على الرغبة في أن تصبح التكنولوجيا الأمريكية والمعايير الأمريكية -وخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمومية – الأساس لدفع العالم إلى الأمام.


5- الهوية الثقافية اليمينية:

تضمنت وثيقة استراتيجية الأمن القومي لغة لم تكن معتادة – بدرجة كبيرة – في الاستراتيجيات السابقة؛ إذ لم تركز على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خارجيًا، وإنما عكست قلقًا ومخاوف واضحة من التهديدات الثقافية التي تواجه الداخل الأمريكي. وشددت في هذا السياق على ضرورة مواجهة الدعاية وعمليات التأثير وغيرها من أشكال التخريب الثقافي. وأشارت إلى أهمية استعادة وتنشيط “الصحة الروحية والثقافية الأمريكية”، معتبرة أنه بدونها يستحيل تحقيق الأمن على المدى الطويل.


6– السيطرة على نصف الكرة الغربي:

لقد أعادت الاستراتيجية إحياء “مبدأ مونرو” وفق “صيغة ترامبية”؛ إذ نصت على أنه بعد سنوات من الإهمال، ستعيد واشنطن تأكيد “مبدأ مونرو” لاستعادة تفوقها في نصف الكرة الغربي، وحماية وطنها ووصولها إلى مواقع استراتيجية حيوية في هذه المنطقة. وأشارت الوثيقة كذلك إلى أن واشنطن سنمنع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي من نشر قوات أو امتلاك قدرات تهديدية، أو امتلاك أو السيطرة على أصول استراتيجية حيوية. واعتبرت الوثيقة أن عدم التعامل الجاد مع هذه المنطقة، التي تمثل الفناء الخلفي للولايات المتحدة، يعتبر خطأ استراتيجيًا ستدفع واشنطن ثمنه لسنوات قادمة.


7- تمزيق الروابط عبر الأطلسي:

تمثل الوثيقة الجديدة انقلابًا واضحًا على نمط العلاقات التي جمعت الولايات المتحدة وأوروبا لعقود؛ فعلى الرغم من تأكيدها على أهمية أوروبا الاستراتيجية والثقافية للولايات المتحدة، فقد شددت على انحصار دور واشنطن كضامن لأمن أوروبا، داعية الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولياتهم الأمنية بأنفسهم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تجاوز ذلك إلى توجيه انتقادات تتعلق بما وصفته الوثيقة بتراجع الطابع الحضاري والهوياتي لأوروبا من جانب، وما اعتبرته اخفاقات ناجمة عن الخضوع لمؤسسات الاتحاد الأوروبي من جانب آخر. وهو المشهد الذي يعني رفض النموذج الأوروبي، وإعادة إنتاج لخطاب أحزاب اليمين في أوروبا.


8- استمرار أهمية منطقة المحيطين (الهندي – الهادئ):

حملت الوثيقة الجديدة تأكيدًا جديدًا على أهمية منطقة المحيطين (الهندي – الهادئ)، التي تبلورت خلال إدارة الرئيس “باراك أوباما” عبر مفهوم “”الاتجاه لآسيا Pivot to Asia“، وسياسة “إعادة التوازن لآسيا Rebalance to Asia“، ثم قيام الرئيس “ترامب” خلال ولايته الأولى بتغيير المصطلح إلى منطقة المحيطين (الهندي – الهادئ) لتكون أكثر تحديدًا في نطاقها الجغرافي. أشارت الوثيقة إلى ضرورة الحفاظ على هذه المنطقة كحرة ومفتوحة، واعتبرت أنها أهم ساحات التنافس الاقتصادي والجيوسياسي في القرن المقبل. علاوة على ذلك، تعكس الوثيقة أيضًا استمرارًا في النهج القائم على الاعتماد على شبكة الحلفاء والشركاء في هذه المنطقة، بما يمنع هيمنة الصين على هذه المنطقة، بل ويساعد في تطويقها دون مواجهة مباشرة.


9- التشديد على حماية تايوان:

أعادت وثيقة استراتيجية الأمن القومي التأكيد الممتد على التزام الولايات المتحدة بحماية تايوان، ولكن وفق منطق مختلف استند إلى أهميتها في انتاج أشباه الموصلات وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، ما يعني توظيف تايوان كأداة وتجاهل أهميتها التاريخية التي تسبق اختراع أشباه الموصلات بزمن طويل. وفي هذا السياق، فقد نصت الوثيقة على ضرورة ردع أي صراع على تايوان من خلال الحفاظ على التفوق العسكري.


10- تراجع أهمية الشرق الأوسط:

أكدت الوثيقة – بشكل واضح – على تراجع أهمية منطقة الشرق الأوسط ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك في ضوء تراجع دور المنطقة كأهم مورد للطاقة في العالم. ومع ذلك، شددت الوثيقة على أنه ستظل للولايات المتحدة مصالح جوهرية في ضمان عدم وقوع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي “عدو صريح”، وبقاء مضيق هرمز مفتوح، وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، ناهيك عن عدم تحول المنطقة إلى حاضنة للإرهاب ضد واشنطن والمصالح الأمريكية. علاوة على ذلك، أشارت الوثيقة إلى أن (بقاء إسرائيل آمنة) يظل ضمن المصالح الأمريكية الجوهرية بالمنطقة، لافتة إلى أهمية التوسع في مسار السلام الإبراهيمي لتشمل المزيد من الدول العربية والإسلامية. ومن المفارقة، أن أوضحت الوثيقة أن التصدي للتهديدات سيتم “فكريًا وعسكريًا”، أي أنها لم تستبعد استخدام القوة العسكرية الأمريكية مجددًا في المنطقة.


11- اهتمام متواضع بأفريقيا:

عكست استراتيجية الأمن القومي اهتمامًا متواضعًا بأفريقيا، وهو ما يماثل – إلى حد كبير – ما جاء في الاستراتيجيات السابقة. أي أنه يسير على خُطى أولويات الإدارات السابقة؛ فحلّ النزاعات، ومنعها، وزيادة التجارة والاستثمار مع أفريقيا، ليست بالمحاور الجديدة. إذ نصت الوثيقة على أنه ينبغي على واشنطن أن تسعى إلى إقامة شراكات مع دول مختارة “لتخفيف حدة الصراعات، وتعزيز العلاقات التجارية ذات المنفعة المتبادلة، والانتقال من نموذج المساعدات الخارجية إلى نموذج الاستثمار والنمو القادر على تسخير الموارد الطبيعية الوفيرة والإمكانات الاقتصادية الكامنة في أفريقيا”. وهو ما يبدو متشابه – إلى حد كبير – مع ما جاء في الاستراتيجية الخاصة بأفريقيا التي أطلقها في ديسمبر 2018 خلال ولايته الأولى، والتي تدور حول (الازدهار والأمن والاستقرار). كما اعتبرت الوثيقة أن تطوير تقنيات البترول والغاز والطاقة النووية سيحقق أرباحًا للشركات الأمريكية، ويساعد واشنطن في المنافسة على المعادن الحيوية والموارد الأخرى.


مجمل القول، إن وثيقة استراتيجية الأمن القومي قد حددت بشكل واضح فلسفة “ترامب” وأولويات إدارته خلال السنوات الثلاث القادمة، لكنها حملت الكثير من النقاط الجدلية التي لا تعكس فقط رؤية الإدارة الحالية بقدر ما تحمل مؤشرات على ما تشهده الساحة الأمريكية من تعقيدات سوف تدفع في اتجاه مزيد من الاستقطاب والانقسام، وكذا تعكس الوثيقة أيضًا تأكيدًا على حالة التحول التي يشهدها النظام الدولي في ضوء تغير الدور الأمريكي وتحول علاقات واشنطن بالحلفاء والخصوم.

في نواة نرى أن مرحلة ما بعد الصراعات ليست نهاية أزمة، بل بداية مسار تنموي جديد. نعمل على إعادة الإعمار وبناء السلام من خلال فهمٍ دقيق للسياقات الهشّة

معلومات التواصل
العنوان:

القاهرة، مصر

البريد الإلكتروني:

info@nfcsp.com

© نواة 2026 – جميع الحقوق محفوظة.

Scroll to Top