تباينت ردود الفعل الأوروبية الرسمية على وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية بين رفض حاد لما ورد فيها، وتأكيد متكرر على أن الولايات المتحدة لا تزال الحليف الرئيسي لأوروبا وشريكًا اقتصاديًا مهمًا، وتشديد على أهمية العلاقة عبر الأطلسي، في مقابل ترحيب محدود من عدد قليل من الدول، وفي مقدمتها المجر.
ركزت ردود الرفض، كما ظهر في تصريحات وزير الخارجية الألماني ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، على ثلاث نقاط رئيسية. أولها أن الوثيقة تضمنت عبارات لا تليق بوثيقة استراتيجية، لأنها تعكس رؤية حزبية ضيقة ومتشددة لمنظومة القيم المشتركة. وثانيها رفض التشخيص الأمريكي للوضع الأوروبي الراهن والتوقعات المتشائمة بشأن مستقبل القارة. وثالثها التأكيد على أن أوروبا لا تحتاج إلى دروس خارجية حول كيفية إدارة شؤونها الداخلية، وترفض أي تدخل أمريكي في هذا المجال. ولخص كوستا الموقف بقوله إن الخلاف يتجاوز بكثير مجرد اختلاف في الرؤية إلى العالم.
في المقابل، أثار التشخيص القاسي للواقع الأوروبي، والتنبؤ المتشائم بمستقبل القارة، ارتياحًا واضحًا لدى القوى اليمينية الصاعدة، خصوصًا مع تعهد الوثيقة بمساندة الحكومات والقوى التي تتبنى تحليلًا قريبًا من تحليل الإدارة الأمريكية الحالية بشأن تراجع الهوية الحضارية لأوروبا وفقدانها مقومات نهضتها.
وبعيدًا عن التصريحات الرسمية، التي جاءت قليلة ومتباينة ومتأخرة، تساعدنا ردود فعل جماعات السياسة الخارجية والتحليل الاستراتيجي الأوروبية على فهم أعمق للمواقف الأوروبية، خاصة الفوارق المرتبطة بالقرب أو البعد الجغرافي عن روسيا. والقاسم المشترك، باستثناء تيارات اليمين المتطرف، هو مزيج من الغضب العميق والقلق الشديد.
ركزت أغلب التحليلات على التعامل مع الوثيقة باعتبارها مهمة وتمثل “نقطة تحول فارقة”. ومع ذلك، قلل بعض الخبراء من شأنها مستندين إلى ثلاثة اعتبارات: أولها أنها تبدو وكأنها كُتبت استجابة لعرف مؤسسي لا أكثر، أي “لسد خانة”، لا لفتح نقاش داخلي أو دولي أو لرسم سياسة واضحة، خاصة أن كثيرًا من مضمونها موجه إلى الداخل الأمريكي. وثانيها أنها لا تعكس بالضرورة فكر صاحب القرار، أي الرئيس دونالد ترامب، بقدر ما تعكس أفكار تيارات متعددة داخل إدارته، وهو ما يفسر تناقضاتها. أما ثالثها فهو أن هذه الإدارة اعتادت أن تقول شيئًا وتفعل غيره، كما يظهر مثلًا في سياساتها تجاه الشرق الأوسط.
لكن أغلب الخبراء فضلوا التعامل مع الوثيقة بجدية، لأن مضمونها جاء منسجمًا مع تصريحات مسؤولي الإدارة وما تسرب من مداولاتهم المغلقة. كما أن المواقف التي تخالف منطق الوثيقة تبدو أقل بكثير من تلك التي تنسجم معه، وغالبًا ما تبدو مجرد محاولة لكسب الوقت أو خضوعًا مؤقتًا لضغوط داخلية أو خارجية. وبحسب هذا الاتجاه، فإن الوثيقة تؤكد أن ما شهدته أوروبا في عام 2025 لم يكن مجرد مقايضة لدفعها إلى زيادة الإنفاق الدفاعي أو أخذ قضايا الأمن بجدية أكبر، بل يعكس تحولًا شاملًا في الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
ويكاد يكون هناك إجماع بين هؤلاء الخبراء على أن الوثيقة تتعامل مع أوروبا باعتبارها عبئًا وحليفًا لا يمكن الاعتماد عليه. ويقر بعضهم بأن جانبًا من النقد الأمريكي لأوروبا له وجاهته، لكن المشكلة أن الوثيقة وجهت نقدها القاسي إلى أوروبا وحدها، في حين التزمت نبرة أكثر حذرًا تجاه خصوم واشنطن.
أولًا، تقوم فلسفة الوثيقة على أن عصر اضطلاع الولايات المتحدة بدور “الشرطي العالمي” والحارس للنظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى. كما تعلن ضمنيًا نهاية المرحلة التي كانت واشنطن تضغط فيها من أجل نشر القيم والأنظمة الديمقراطية والدفاع عنها بوصفها أولوية. وبدلًا من ذلك، تدعو الوثيقة إلى تخصيص الجهد الأمريكي للدفاع عن المصالح المباشرة، لا لممارسة الهيمنة العالمية. وهناك ما يشير إلى تبني الإدارة الأمريكية منطق “مناطق النفوذ”، وهو منطق تدافع عنه روسيا والصين، ويبدو أنه يتضمن قبولًا أمريكيًا ضمنيًا بأن أوكرانيا، وربما جوارها وشرق أوروبا عمومًا، تقع ضمن مجال النفوذ الروسي.
ثانيًا، تمنح الولايات المتحدة أولوية قصوى للبحث عن مصادر غير صينية للمعادن الحرجة والمواد الأرضية النادرة. ويؤدي هذا الاعتبار دورًا مهمًا في إعادة ترتيب أولوياتها، ويدفعها إلى التقارب مع روسيا وإعادة تطوير التعاون معها، مقابل تقليل أهمية أوروبا في الحسابات الأمريكية.
ثالثًا، تبدو المقاربة الأمريكية الجديدة تجاه روسيا مقلقة في حد ذاتها، ومقلقة أيضًا لأنها تكشف رفضًا لاستخلاص دروس الواقع. فالوثيقة لا تقدم إدانة واضحة للنظام الروسي أو لسلوكه الداخلي والخارجي، في حين تكثر من توجيه الانتقادات القاسية إلى أوروبا. كما أنها تقلل من خطورة التهديد الروسي، إذ تراه واشنطن أقل خطرًا من الصين ومن شبكات الهجرة والجريمة والتجارة غير المشروعة القادمة من أمريكا الوسطى واللاتينية باتجاه الداخل الأمريكي. وفي جميع الأحوال، تعتبر الوثيقة أن التصدي للتهديد الروسي مسؤولية أوروبية في المقام الأول.
وتوحي لغة الوثيقة وأهدافها بأن الإدارة الأمريكية ترى إمكانية “تثبيت” الوضع في أوروبا الشرقية، وتعتبر هذا الهدف أكثر واقعية من التصدي للخطر الروسي أو إفشال خطط موسكو. غير أن هذا “التثبيت” قد يتطلب تنازلات كبيرة تُقدم على حساب أوروبا، وفي مقدمتها أوكرانيا ودول البلطيق، بما قد يؤدي إلى تقوية روسيا وتشجيعها على مزيد من العدوان. ويُلاحظ أن الولايات المتحدة أعلنت في سبتمبر الماضي تقليل مساعداتها العسكرية والأمنية لدول البلطيق، بينما تنتظر أوروبا بقلق قرارات واشنطن بشأن إعادة توزيع قواتها عالميًا، وهي قرارات يُرجح أن تقلل الوجود الأمريكي في أوروبا الشرقية. وتزداد خطورة ذلك لأن أوروبا لن تكون جاهزة عسكريًا قبل عام 2030 في أفضل الأحوال، ما يعني أنها قد تمر بين عامي 2027 و2030 بأضعف مراحلها، ومن دون حماية أمريكية مضمونة.
رابعًا، خصصت الوثيقة فقرات طويلة لأوروبا والاتحاد الأوروبي. فهي تقر بأن أوروبا حليف، وأن بينها وبين الولايات المتحدة تراثًا مشتركًا، لكنها تقول في الوقت نفسه إن هذا الحليف أصبح عبئًا لا يقدم الدعم الكافي، وإن مساره الحالي بات مهددًا للقيم المشتركة ولمقومات نجاح التجربة الغربية، بل وصل ـ بحسب الوثيقة ـ إلى حد تهديد “المحو الحضاري” لأوروبا أو تشويه هويتها. والمفارقة أن هذا الخطاب يتناقض مع ما تعلنه الوثيقة نفسها من رفض لمنهج تغيير الأنظمة وإعادة تشكيلها والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو المنهج الذي تقول الوثيقة إنه ميز السلوك الأمريكي في العقود الماضية.
يقف خلف هذا الخطاب، إلى حد كبير، نائب الرئيس فانس، الذي يرى أن الحضارة الغربية تأسست على أركان من بينها المسيحية وتقديس الحرية. ووفقًا لهذا التصور، يتراجع الطابع المسيحي لأوروبا بفعل هجرة المسلمين الحاملين لمنظومة ثقافية مغايرة، كما تتراجع الحرية بسبب كثرة القوانين المنظمة للرأسمالية، والقيود المفروضة على المبادرة الاقتصادية، والتشريعات التي تعرقل النشاط الاقتصادي، فضلًا عن شيطنة الخطاب اليميني المتطرف الذي يركز على القومية والهوية ومعاداة الهجرة.
يحمل هذا الخطاب تناقضات واضحة؛ فهو يتحدث عن الحرية، لكنه يريد في الوقت نفسه إجبار النساء والعائلات على الإنجاب. ومع ذلك، لا يخلو من عناصر قوة، لأنه يعبر عن رأي قطاعات مهمة من الرأي العام الأوروبي والأمريكي حاول اليسار والليبراليون إسكاتها. أما نقطة ضعفه الأساسية فهي أن الإدارة الأمريكية لا تبدي تسامحًا مماثلًا مع الخطابات الليبرالية واليسارية التي تثمن التعددية الثقافية، بل تجعل من معركتها مع هذه الخطابات، في أوروبا والولايات المتحدة، محورًا واضحًا في رؤيتها.
ويمكن تلخيص الخطاب الأمريكي تجاه أوروبا على النحو التالي: الدول الأوروبية حليف، لكنها حليف لا يمكن الاعتماد عليه. عليها أن تقبل ترك مسألة تثبيت الأوضاع في القارة للأمريكيين، وألا تحتج على قراراتهم. ستقلص واشنطن وجودها العسكري في أوروبا، ولن تتعامل مع أوروبا ككتلة واحدة، بل ستفرق بين الدول التي تتبنى النموذج الليبرالي أو اليساري، وتلك التي تتبنى قراءة قريبة من القراءة الأمريكية الحالية. وستعمل، بوضوح، على تمكين القوى السياسية التي تتبنى مقاربتها.
خامسًا، ترى الدول الأوروبية أن الوثيقة تقول، باختصار، إن روسيا والصين ليستا عدوين بقدر ما هما تهديدان يمكن التعايش معهما والتعامل معهما، بينما العدو الحقيقي هو من يتبنى خطابًا يساريًا أو ليبراليًا مائلًا إلى اليسار، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة. وهؤلاء، في نظر الوثيقة، يمثلون تهديدًا لأنهم يبتعدون عن قيم المسيحية والحريات الاقتصادية والسياسية.
سادسًا، ترى دول المواجهة مع روسيا أن الولايات المتحدة غاضبة أساسًا من منظومة فكرية وسياسية وأخلاقية تميز أوروبا الغربية، لكنها تعاقب، عمليًا، دول أوروبا الشرقية “البريئة” من هذه الاتهامات، وتعرض أمنها لخطر شديد.
سابعًا، لفت نظري تحليل خبير فرنسي بارز قال إن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى إلى تحويل حلف الناتو من صورته الحالية إلى صيغة أقرب إلى حلف وارسو. والمقصود أن واشنطن تريد حلفاء مطيعين لا يناقشون التوجهات الكبرى التي تحددها، وتريد في الوقت نفسه حلفاء على شاكلتها الأيديولوجية: أنظمة يقودها رجل قوي وتتبع أيديولوجيات يمينية. قد يصف هذا التحليل “أحلام” واشنطن، لكنه يظل قياسًا غير مكتمل؛ فالولايات المتحدة، بخلاف الاتحاد السوفييتي في زمن حلف وارسو، لا تريد زيادة وجودها العسكري في القارة، بل تقليله وتحميل الحلفاء العبء الأكبر. ومع ذلك، تكمن أهمية هذا التحليل في أنه يكشف، من دون قصد، التناقض الداخلي في الوثيقة الأمريكية بين توجهاتها المختلفة.
ما المتوقع إذن؟ يبدو أن القادة الأوروبيين فهموا أن الموقف الأمريكي لا يمكن اختزاله في مجرد رغبة في تقليل الكلفة وتعظيم العوائد من خلال ابتزاز دائم. فالأمر يعكس بالفعل خطًا استراتيجيًا يرمي إلى تغيير شامل في السياسة الخارجية الأمريكية وأولوياتها. كما فهموا أنهم لا يملكون ترف الانتظار، حتى لو كان من الممكن أن يجبر مسار الأحداث واشنطن لاحقًا على تعديل خطتها. فهم، في نهاية المطاف، باتوا “وحدهم” أمام مخاطر يأتي معظمها من الشرق، وبعضها من الغرب، كما في مطامع واشنطن في جرينلاند، وبعضها من الجنوب. وهنا تتحقق نبوءة الجنرال ديغول: الولايات المتحدة لن تخاطر بأمنها من أجل أمن أوروبا، وقد تنسحب يومًا.
يفرض الوضع الجديد على أوروبا أربع أو خمس أولويات في توقيت غير مثالي: دعم أوكرانيا وتقويتها؛ تصميم وإنتاج أسلحة المستقبل والاستثمار السريع والكثيف في مجالات ظلت متروكة للولايات المتحدة؛ تكثيف إنتاج الأسلحة القائمة لإعادة تسليح الجيوش الأوروبية بما يسمح بخوض حرب طويلة؛ إعادة هيكلة شبكات الإمداد المختلفة؛ وإشراك المملكة المتحدة في المنظومة الدفاعية الجماعية.
وتتباين مواقف الدول الأوروبية من هذه الأولويات. فدول المواجهة مع روسيا لا تزال ترى أن شراء الأسلحة والمنظومات الأمريكية ضروري للإبقاء على قدر من الحماية الأمريكية، وإن باتت أقل مصداقية، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تكثيف تعاونها مع دول أوروبا الغربية. أما الدول الأخرى فقد زادت إنفاقها العسكري. وتسعى ألمانيا إلى تطوير جيشها ليصبح الأقوى في أوروبا، وفي الوقت نفسه تريد أن تكون المورد الرئيسي لأسلحة جيوش القارة. وتسعى فرنسا إلى تعظيم مكاسب امتلاكها “قاعدة صناعات وتكنولوجيات عسكرية” مستقلة نسبيًا عن المكونات الأمريكية، وتفكر في مراجعة عقيدتها النووية بحيث لا تقتصر على حماية المصالح الفرنسية الحيوية، أو على الأقل تعيد تعريف هذه المصالح. وهناك توتر قوي ومكتوم بين ألمانيا وفرنسا بسبب اختلافات كبيرة في ملفات عدة، من بينها المشروعات العسكرية المشتركة. وتظل إسبانيا أقل الدول إحساسًا بالخطر، بينما نجحت الحكومة الإيطالية حتى الآن في التوفيق بين قربها الفكري من ترامب وعلاقاتها الجيدة معه، وبين التزاماتها الأوروبية ودورها البنّاء داخل الاتحاد، لكنها تخشى ألا تستطيع الحفاظ على هذا التوازن مستقبلًا وأن تُدفع إلى الاختيار.
وفيما يتعلق بدعم أوكرانيا، يشير تقييم معهد كيل، الذي يتابع تطور الدعم بدقة، إلى أن أوكرانيا تواجه عامًا من الانخفاض الحاد في مخصصات المساعدات الجديدة، وهو أدنى مستوى منذ اندلاع الحرب عام 2022. فقد خصصت أوروبا نحو 4.2 مليار يورو فقط كمساعدات عسكرية جديدة، وهو مبلغ ضئيل للغاية لا يكفي لتعويض توقف الدعم الأمريكي. وفي الوقت نفسه، اتسعت الفجوة داخل أوروبا؛ فبينما زادت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مخصصاتها بشكل ملحوظ، فإنها ظلت أقل نسبيًا من مستويات دول الشمال الأوروبي، في حين ساهمت إيطاليا وإسبانيا بمبالغ محدودة للغاية.
لكن أوكرانيا طورت مصانعها الحربية ونظمت التعاون بين القطاعين المدني والعسكري. ويبقى السؤال هو ما إذا كانت الوثيقة الأمريكية ستدفع الأوروبيين إلى تسريع وتكثيف دعمهم، وكيف ستشارك أوروبا في الضمانات الأمنية المزمع تقديمها للدولة المنكوبة.
ولا يكتمل العرض دون الإشارة إلى تأثير التحول الأمريكي على اتجاهات الرأي العام في أوروبا. فهناك ارتفاع واضح في أعداد من يعتبرون الولايات المتحدة دولة غير صديقة، وربما عدوًا. وفي الوقت نفسه، تظهر في عدد من الدول اتجاهات ترى أن هذا التحول يحتم التفاهم مع روسيا ولو على حساب أوكرانيا، وتسعى إلى شيطنة الدولة المنكوبة. والسؤال هو ما إذا كان أصحاب هذا التوجه سيصلون إلى الحكم. ومع ذلك، يظل تأييد أوكرانيا قويًا ويتمتع بدعم أغلبية في معظم الدول الأوروبية الكبرى.
© نواة 2026 – جميع الحقوق محفوظة.