تعكس وثيقة استراتيجية الأمن
القومي الأمريكي التي أصدرها البيت الأبيض في الرابع من ديسمبر 2025 تحولًا واضحًا
في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ تعبر الوثيقة
عن انتقال واضح من “الهيمنة الليبرالية” إلى نموذج أمريكي جديد يمزج بين
الواقعية والقومية. ومن ثم، تحمل الاستراتيجية صبغة “ترامبية بامتياز”،
وتهدف إلى بلورة نهج الرئيس “ترامب” وتأطير أفكاره، وهي المسألة التي
ساهمت في تصدير عدد من التحولات الواضحة، والتي يمكن تفكيكها على النحو التالي:
1- تحوّل مفهوم “التهديد” من الخارج إلى الداخل:
تمثل
استراتيجية الأمن القومي الجديدة نقطة تحول رئيسة في الفكر الاستراتيجي لواشنطن مع
تحويل مفهوم التهديد من الخارج إلى الداخل. فقد ولّت ادعاءات “قيادة العالم
الحر” و”توسيع المشاركة الدولية” و”الدفاع عن الديمقراطية
العالمية”، مقابل رفع مستوى أمن الحدود وحمايتها إلى مستوى الدفاع الوطني.
بعبارة أوضح، تعتبر واشنطن الآن مراقبة الهجرة، ومكافحة الاتجار بالبشر، ومحاربة
المخدرات، وإدارة الحدود من أولويات الأمن القومي، وليست مجرد سياسات للهجرة. وهو
ما يعتبر بمثابة إقرار ضمني بأن تماسك الداخل الأمريكي ومواجهة التهديدات الداخلية
شرطًا لبقاء قوة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
2- التخلي الصامت عن قيادة النظام الدولي:
على الرغم من تأكيد الوثيقة على أن انخراط الولايات
المتحدة عالميًا قد ساهم في استنزاف مواردها وتحملها تكاليف لا ترتبط بمصالحها
المباشرة، فإنها لم تنص صراحة عن رغبة أمريكية في التخلي عن مكانتها على رأس
النظام الدولي. وهي المسألة التي انعكست في تجنب مصطلحات مثل “النظام الليبرالي
الدولي” أو “المسؤولية العالمية“،
ناهيك عن الإشارات المتكررة لنهاية مرحلة “القيادة بالقيم” وبداية مرحلة
“الإدارة بالمصلحة”. ما يعني إتاحة المجال أمام التفسيرات المتعلقة
بوجود قبول ضمني أمريكي لعالم متعدد مراكز القوى، في ضوء إعطاء إدارة “ترامب”
الأولوية للمصالح الوطنية وسعيها لإعادة تعريف حدود ونطاق دور واشنطن كـ
“شرطي العالم” والارتكاز على المنافسة الاستراتيجية الانتقائية التي
توفر للولايات المتحدة مزايا نسبية.
3-
التحول
من التحالفات إلى تقاسم الأعباء:
حملت الوثيقة تحولًا واضحًا في موقف الولايات المتحدة من
التحالفات التي سعت لتقويتها على مدار عقود؛ إذ لم تعد النظرة لهذه التحالفات من
زاوية الالتزام التاريخي، وإنما من زاوية العائد والتكلفة. ومن ثم، استندت
الاستراتيجية إلى افتراض مفاده تحويل الحلفاء من “شركاء استراتيجيين”
إلى “تكلفة يجب ضبطها”، أي أن ما تنص عليه الاستراتيجية يتجاوز النظرة
الضيقة المرتبطة بمطالبة الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى التدليل على وجود
تحول في إدراك واشنطن لأهمية الحلفاء ودورهم في خدمة المصالح الأمريكية. ما يعني
أن التحالفات لم تعد قيمة بحد ذاتها ولا تستند إلى هياكل دائمة، وإنما هي أدوات
مؤقتة قابلة للتجميد أو إعادة التفاوض حال فشلت في تحقيق المصالح الأمريكية
المباشرة.
4- عسكرة الاقتصاد بدلًا من تحريره:
أدخلت
الوثيقة الاقتصاد والصناعة وسلاسل الإمداد مباشرة في صلب الأمن القومي الأمريكي،
كما نظرت إلى الاعتماد المتبادل كـ “نقطة ضعف” وليس كـ “ميزة”
أو كـ “فرصة”. وهو الأمر الذي يمكن أن يُفسر ما تقوم به إدارة
“ترامب” من تصاعد الحمائية وتسييس التكنولوجيا والحروب التجارية في طور
كونها جزء من استراتيجية أمنية أوسع وليست مجرد سياسات اقتصادية. وقد اعتبرت الوثيقة أن إعادة
تنشيط الصناعة يعد ركيزة أساسية للقوة الأمريكية، لذا، لم تدعو فقط إلى إعادة بناء
قطاع التصنيع، وإنما إلى إنشاء صناعات استراتيجية جاهزة للحرب. علاوة
على ذلك، فقد نصت الوثيقة على أن مجتمع الاستخبارات سيراقب سلاسل التوريد الرئيسة
والتقدم التكنولوجي حول العالم لضمان فهم نقاط الضعف والتهديدات التي تواجه الأمن
والازدهار الأمريكيين.
5- التعامل مع التعددية الدولية
كعبء:
على الرغم مما يمثله النظام الدولي بشكله الحالي من رافعة للنفوذ
الأمريكي في ضوء كون واشنطن القوة العظمى المهيمنة، فإن وثيقة استراتيجية الأمن
القومي لم تقدم أي دعم للنظام الدولي ولم تشجع أو تعزز المؤسسية الدولية، وإنما
اتجه تفضيل الإدارة الأمريكية – بشكل أساسي – إلى الترتيبات الثنائية والمرنة. وهي
المسألة التي تحمل مؤشرات على استمرار الرئيس “ترامب” في سياسة التشكيك
في النظام الدولي القائم على القواعد، بل والنيل المستمر من المؤسسية الدولية. ما
سيساهم في تآكل النظام الدولي وتعميق الفوضى الدولية، بل وتشجيع الدول الأخرى على
اتباع ذات السلوك.
6- محاصرة الصين كبديل عن
مواجهتها:
لم تتبنَ الوثيقة الجديدة لغة تصادمية حادة تجاه الصين،
وعوضًا عن ذلك أوضحت أن قوة بكين المتنامية اقتصاديًا وتجاريًا وتكنولوجيًا تحمل
تهديدًا لمصالح الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، وكبديل عن المواجهة المباشرة
تبنت الاستراتيجية مسارًا يهدف لتشجيع أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا
وكندا والمكسيك وغيرهم على تبني سياسات تجارية من شأنها إعادة توجيه بوصلة
الاقتصاد الصيني نحو الاستهلاك المحلي. بالإضافة إلى تشكيل تحالفات تستغل مزايا
واشنطن النسبية في التمويل والتكنولوجيا لبناء أسواق تصدير مع “الدول
المتعاونة”. كما أشارت الوثيقة إلى أن الإدارة الأمريكية ملتزمة باستخدام
“موقعها القيادي” لتعزيز دور المؤسسات المالية الدولية بما يخدم المصالح
الأمريكية في وجه الاستثمارات الصينية.
7- انتقاد الحلفاء والصمت عن
الخصوم:
تبنت
الاستراتيجية منحًا جديدًا مؤداه انتقاد الحلفاء وليس الخصوم؛ إذ اعتبرت الصين
منافسًا استراتيجيًا رئيسًا يتطلب التعامل معها احتواء نفوذها الاقتصادي والعسكري، بل
وذهبت إلى اعتبار أن الهدف هو “علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة مع بكين”.
وفيما يتعلق بروسيا، فلم تنظر الوثيقة إليها كعدو أو حتى كمنافس بنفس درجة الصين،
وإنما جاءت في سياق مبهم لم يحدد طبيعة التهديد الذي تمثله للمصالح الأمريكية، بل
وتبنت الوثيقة صياغة غير معتادة مفادها أن “العديد من الأوروبيين يعتبرون
روسيا تهديدًا وجوديًا“. بعبارة
أوضح، لم تصنف الوثيقة روسيا كخصم لواشنطن، ولو توجه إليها أية انتقادات، في مقابل
شن الانتقادات
بحق الأوروبيين لافتقارهم إلى جهود سلام حقيقية بشأن أوكرانيا، ولتوقعاتهم
“غير الواقعية” التي اعتبرتها متعارضة مع رغبة المواطنين الأوروبيين في
السلام.
8- إعادة أمريكا اللاتينية إلى
صدارة الأولويات:
تصدّرت
آسيا لما يقارب العقدين قائمة أولويات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، لكن
الوثيقة الجديدة أعادت نصف الكرة الغربي لصدارة الاهتمام. وهو الأمر الذي يمكن
النظر إليه وفق تحليلين متباينين؛ ينصرف الأول إلى منطقية هذا التحول في التركيز
على الفناء الخلفي للولايات المتحدة بعد سنوات من الالتزام بمناطق جغرافية أبعد،
بينما يستند الثاني إلى أن هذا التحول يمثل تراجعًا انعزاليًا وتضحيةً غير ضرورية
بالنفوذ الأمريكي لصالح الخصوم. وبغض النظر عن التباين في تفسير تأثير هذا التحول، يبقى هناك ثمة
دوافع قوية وراء الاهتمام الأمريكي بنصف الكرة الغربي كونه يتمتع بثروات طبيعية
وفيرة وموقع استراتيجي، ناهيك عن التهديدات المرتبطة بالهجرة غير النظامية
والجريمة المنظمة والمخدرات.
9-
معركة
الهيمنة التكنولوجية:
تعكس
الوثيقة بشكل واضح إدراك إدارة “ترامب” لأهمية البعد التكنولوجي في ضمان
استمرار مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية. إذ أكدت الاستراتيجية أن
المنافسة التكنولوجية ليست “اقتصادية فحسب”، وإنما تتعلق أيضًا بالأمن
والقوة. لذلك، ركزت الاستراتيجية على المجالات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي
والتكنولوجيا الحيوية والبنية التحتية الرقمية. وأكدت على تقييد نقل التقنيات
المتقدمة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص، وأيضًا ضمان
هيمنة واشنطن على التقنيات الجديدة بما يخدم ريادتها العالمية.
مجمل القول، إن وثيقة استراتيجية الأمن
القومي لعام 2025 لا تحمل فقط مجموعة من الرسائل بشأن رؤية إدارة
“ترامب” وأهدافها، وإنما تعكس أيضًا مجموعة من التحولات البارزة داخليًا
وعلى الساحة الدولية أيضًا، بطريقة تؤشر على أن التيار “الترامبي” سيؤثر
على النموذج الأمريكي لسنوات ممتدة ربما تتجاوز فترة وجود الرئيس
“ترامب” في الحكم.
© نواة 2026 – جميع الحقوق محفوظة.